المنتخب التونسي يتجه نحو مدرب وطني: خيار استراتيجي بين الواقعية والطموح
المنتخب التونسي يتجه نحو مدرب وطني: خيار استراتيجي بين الواقعية والطموح
يشهد المشهد الكروي التونسي مرحلة دقيقة وحاسمة عقب الإقصاء من الدور ثمن النهائي لكأس أمم إفريقيا المقامة حاليًا بالمغرب، وما تبعه من إنهاء العلاقة التعاقدية بالتراضي مع الناخب الوطني سامي الطرابلسي وكامل الإطار الفني. وفي خضم هذه التطورات، برز توجه واضح داخل الجامعة التونسية لكرة القدم نحو تعيين مدرب تونسي على رأس منتخب الأكابر خلال المرحلة المقبلة، وهو ما أكده خميس الحمزاوي، عضو المكتب الجامعي والمسؤول عن المنتخب الأول.
هذا القرار، الذي يأتي في وقت تستعد فيه تونس لموعد كروي عالمي يتمثل في نهائيات كأس العالم 2026، يطرح أسئلة كبيرة حول فلسفة التسيير، ورؤية الجامعة، ومستقبل “نسور قرطاج” في واحدة من أهم المراحل في تاريخهم الحديث.
اجتماع مفصلي بين الجامعة والوزارة
جاء الإعلان عن هذا التوجه عقب اجتماع هام جمع وزير الشباب والرياضة الصادق المورالي بعدد من ممثلي المكتب الجامعي لكرة القدم، يتقدمهم معز الناصري رئيس الجامعة، إلى جانب شخصيات رياضية وازنة من داخل الوسط الكروي التونسي.
وقد حضر هذا الاجتماع كل من:
-
حسين جنيح نائب رئيس الجامعة
-
خميس الحمزاوي عضو المكتب الجامعي والمسؤول عن منتخب الأكابر
-
زياد الجزيري المدير الرياضي
-
خليل شمام مساعده
-
إلى جانب عدد من المدربين واللاعبين الدوليين القدامى مثل:
علي الكعبي، فوزي البنزرتي، محمد المكشر، أمين كمون، وليد الهيشري، طارق سالم، ورياض البوعزيزي
هذا الحضور المكثف لرموز فنية ولاعبين سابقين يعكس رغبة واضحة في إشراك أهل الاختصاص والتجربة في صياغة مستقبل المنتخب، بدل الاكتفاء بالقرارات الإدارية.
لجنة فنية بدل الترشحات المفتوحة
أبرز ما يميز هذا التوجه الجديد هو أن الجامعة قررت عدم فتح باب الترشحات لمنصب مدرب المنتخب، وهو خيار غير تقليدي في الساحة التونسية، حيث اعتادت الجماهير والإعلام على تتبع سباق الأسماء والملفات.
بدل ذلك، تم إقرار إحداث لجنة فنية تتولى:
-
دراسة وضع المنتخب
-
تقييم حاجياته التكتيكية والبدنية والنفسية
-
اقتراح قائمة من المدربين التونسيين المؤهلين
ومن ثم يقوم المكتب الجامعي باختيار الاسم الأنسب من بين هذه القائمة.
هذا الأسلوب يهدف إلى إضفاء طابع علمي واحترافي على عملية الاختيار، وتجنب الضغوط الإعلامية والشعبوية التي غالبًا ما ترافق مثل هذه القرارات.
لماذا مدرب تونسي؟
التوجه نحو مدرب تونسي ليس مجرد خيار اقتصادي أو ظرفي، بل يعكس رؤية استراتيجية متعددة الأبعاد.
1. المعرفة العميقة باللاعب التونسي
المدرب المحلي:
-
يعرف عقلية اللاعب
-
يفهم طبيعة البطولة
-
يعي الضغوط الجماهيرية والإعلامية
-
ويملك شبكة علاقات داخل الأندية
وهذا عنصر مهم خاصة في مرحلة تتطلب إعادة بناء الثقة بين المنتخب وجماهيره.
2. الوقت عامل حاسم
المنتخب التونسي مقبل على:
-
تصفيات
-
تحضيرات
-
مباريات ودية دولية
-
ثم كأس العالم بعد أقل من 18 شهرًا
مدرب أجنبي يحتاج عادة إلى وقت للتأقلم، بينما المدرب التونسي جاهز للعمل الفوري.
3. تقليص الفجوة المالية
الجامعة تمر بمرحلة تحتاج فيها إلى ترشيد النفقات، والمدرب المحلي عادة أقل تكلفة، ما يسمح بتوجيه الموارد إلى:
-
التحضيرات
-
المعسكرات
-
المباريات الودية القوية
الإقصاء من كأس إفريقيا: جرس إنذار
الهزيمة أمام منتخب مالي بركلات الترجيح بعد تعادل (1-1) في الوقتين الأصلي والإضافي كشفت عن عدة مشاكل:
-
ضعف في النجاعة الهجومية
-
ارتباك تكتيكي
-
تراجع ذهني في اللحظات الحاسمة
ورغم أن تونس أنهت الدور الأول ثانية في مجموعتها برصيد 4 نقاط (فوز على أوغندا، تعادل مع تنزانيا، خسارة أمام نيجيريا)، إلا أن الأداء العام لم يكن مقنعًا بما يكفي لطموحات جماهير “نسور قرطاج”.
كأس العالم 2026: الموعد الكبير
الرهان الحقيقي للجامعة التونسية اليوم هو كأس العالم 2026، التي ستقام في:
-
الولايات المتحدة
-
كندا
-
المكسيك
وسيشارك المنتخب التونسي في المجموعة السادسة إلى جانب:
-
هولندا
-
اليابان
-
والمتأهل من الملحق الأوروبي الثاني (أوكرانيا، السويد، بولونيا، ألبانيا)
وهي مجموعة قوية جدًا تتطلب:
-
مدربًا يعرف كيف يبني خطة طويلة المدى
-
إعدادًا بدنيًا عالي المستوى
-
تنظيمًا تكتيكيًا صارمًا
-
وروحًا قتالية عالية
دور اللاعبين القدامى: خطوة ذكية
إشراك أسماء مثل فوزي البنزرتي، علي الكعبي، ورياض البوعزيزي يعكس تحولًا في عقلية التسيير نحو الاستفادة من الذاكرة الكروية الوطنية.
هؤلاء يعرفون:
-
ما الذي يحتاجه اللاعب داخل المنتخب
-
أين فشلنا سابقًا
-
وكيف يمكن بناء مجموعة متماسكة
وجودهم في النقاش حول هوية المدرب القادم يعطي مصداقية أكبر للعملية.
التحدي الأكبر: بناء فريق وليس فقط اختيار مدرب
اختيار مدرب تونسي ناجح لا يكفي وحده، بل يجب أن يرافقه:
-
مشروع فني واضح
-
استراتيجية لاكتشاف المواهب
-
برنامج تحضيري دقيق
-
سياسة صارمة في اختيار اللاعبين
فالمطلوب اليوم ليس فقط تجاوز خيبة كأس إفريقيا، بل بناء منتخب قادر على المنافسة عالميًا.
خاتمة: فرصة لإعادة كتابة قصة نسور قرطاج
التوجه نحو مدرب تونسي يمثل فرصة تاريخية للكرة التونسية لإعادة بناء منتخبها على أسس واقعية، تستثمر في:
-
الخبرة المحلية
-
الفهم العميق للبيئة التونسية
-
والرغبة في إثبات الذات عالميًا
ومع اقتراب كأس العالم 2026، سيكون المدرب القادم أمام تحدٍ استثنائي:
إما أن يقود تونس إلى صحوة كروية جديدة، أو أن يضيع فرصة جيل كامل من اللاعبين.
الأسابيع القادمة ستكون حاسمة، ليس فقط في اختيار الاسم، بل في تحديد هوية المنتخب التونسي للسنوات القادمة